مفتش تعليم

المفتش و مدير المدرسة: درس نموذجي

درس نموذجي!.

ساد القسم سكون غريب بعدما أحس تلاميذ الفصل وجودهم هذا اليوم بين فكي كماشة الرقابة المقيتة! ، كيف لا وهذا معلم الفصل منتصب في الأمام وعلى المقاعد الخلفية جلس المفتش ومدير المدرسة ومعلموها لمتابعة ما زعموه درسا نموذجيا تطوع معلم فصلهم الجديد تحت ضغط وفورة حماس “أبلوات” الطبيعية بتقديمه!.

   أخذا بأصول المهنة وتفاديا لسهام الجالسين في الخلف لم ينسى المعلم بعدما حدد “المادة” و”المجال” أن يمهد لعنوان درسه قبل كتابته فبدأ متسائلا :

   – من يعطني جملة تبدأ بفعل ؟.

  – باع المدير الكفالة!!.

     بعد لحظة وجوم واندهاش سادت مقدم ومؤخرة الفصل من جملة التلميذ! لم يجد المعلم بدا من التغافل عن الجملة المزعجة التي خالها مشاغبة تلميذ سخيفة معيدا طرح سؤاله :

  – من يعطني جملة تبدأ بفعل ؟.

  – عاد المفتش إلى “الحاضرة” بعدما استلم ميزانية مفتشيته!!.

  ما أشقاك -أي أنا- بدرسك اللا نموذجي هذا وبتلاميذ  تحولوا فجأة من عادتهم  مذ عرفتهم صم بكم إلى ناطقين مفوهين بهمهمات الآباء وغمغمات الأهالي! تمتم معلم الفصل وكله خجل وإحراج من نظرات المدير والمفتش المتخيلة بأن وراء أكمة أجوبة التلميذين -تلميذيه- جهدا مقصودا خطط له بعناية فهو أبعد ما يكون عن العفوية وشغب التلميذ الحاذق الذكي المتعارف على فقده في المدارس الابتدائية منذ توالت  عشريات حاملي النجوم المذهبة!.

  بانفعال بدى واضحا  هذه المرة أعاد المعلم سؤاله محاولا كسر جو وجوم تلامذته وضيوفه معا :

   – من يعطني جملة تبدأ بفعل ؟.

  بعد بضع خطوات جاءت متثاقلة في اتجاه السبورة تدخل مدير المدرسة وكله عزم على وضع حد لما خاله مهزلة المعلم وتلاميذ قسمه اللعين! .

   – ابنتي “آمنة” من أنبأك بأن المدير باع الكفالة ؟!.

  – سيدي أنا لا أعرف شيئا عن ذلك ، فقط هي جملة جملة حفظتها من كثرة ما سمعت والدي وبعض أقرانه من مشائخ القرية يكررونها منذ القديم أثناء أحاديثهم البينية حين أقيم لهم الشاي المسائي ، وقد حسبتها جملة فعلية فأعطيتها “سيدي” خطأ والظاهر أنها جملة إسمية!!.

   – إجلسي بارك الله فيك! قالها مسكنا بعض روعها البادي بعدما قرأ تعابير البراءة والعفوية والسذاجة على وجهها  الذكي والذكي جدا لو وجد طيلة سنوات تمدرسه الثلاثة أقل جهد فاعل من مدرس ناصح!.

    ملتفتا نحو التلميذ الآخر قال المدير :

   – ابني “أحمد” : من أخبرك بأن المفتش عاد “للحاضرة” بعدما استلم ميزانية مفتشيته ؟!.

  – سيدي أرجو المسامحة فإنما هي جملة سمعتها مرارا في فترات متباعدة من أكثر من معلم! أثناء أحاديثهم العادية وقت الراحة حين أكون في خدمة إعداد شاي راحة العاشرة! ، وقد حسبتها جملة فعلية فأعطيتها “سيدي” بالخطإ!.

   إجلس بارك الله فيك ، نطقها المدير بصعوبة محاولا تخفيف درجة ذهول وخوف تلميذه البريء وفي داخله تولد شعور جديد غريب يشعره بقوة بالرغبة في لبس حزام ناسف قد يمكنه يوما من الإنفجار منتحرا  في اجتماع يحوي مفتشه ومديرهما وجميع مساعديه وأكابر آخرين في ولايته الله يعلمهم! فجميعهم أوصلوا ميدانه لمرحلة السقوط والتردي والوحل هذه حيث آخر نقاط أوحال سجين حضيض اللا إنسانية! وحيث نهاية “الشوگ” في قاموس أهل “لخيام”  ومنتهى “الجوع” المعنوي الذي به نادرا ما يعيرون!!.

    مسابقا تساقط عبرات ستفضح لتلاميذه شعورا قويا بالحسرة والخزي  أشار المدير إلى التلاميذ بالخروج معلنا في صمت انتهاء درس كان بمقاييس اكتشاف الذات عظيما حتى وإن انتهى قبل كتابة موضوع درسه!!!.

    خرج المدير وقد اكتشف لأول مرة -بفضل الدرس- مدى ضحالة قيمته عند آباء تلاميذه! وكله لعن لمن كانوا السبب في ذلك حين به من قوت الفقير أكلوا الثلثين ولوثوا كرامته ومهنته بمجرد الثلث الباقي! لاعنا يوم رضوخه ليصير لاشيء مقابل لاشيء !!.

 

   خرج المفتش وهو -بفضل الدرس- يلعن في صمت يقتله يوم أخذه لفتاة عشر شرع بأخذه أكل الكبار كل أعشار التسيير والخدمة العمومية!!.

   خرج المعلمون تباعا فمنهم من نام وقت دخوله من جهد وتعب إدمان السهر على صفحات “الشات” وخدمات “الواتس” فخرج كما دخل صفرا من كل ما دار مستغربا اختتام الدرس دون تعليقات هزيلة من المفتش وانتقادات سطحية من الزملاء غايتها غالبا مجاملة درس الصديق والهجوم على الشانيء! ، ومنهم قليل عرف -بفضل الدرس- بأن أحمق المدرسين من راهن يوما على غباء تلميذه مهما ضعف مستواه متناسيا بأن للذكاء أكثر من مجال وليس منحصرا وفقط في مجال القراءة والكتابة وبأن التلاميذ وآباءهم باتوا يعرفون الحكاية – حكاية التعليم المهزلة!

– من طقطق للسلام عليكم ، السلام عليكم!.

محمد طالب ولد ناجم

شاهد أيضاً

دلائل النبوة / محفوظ ولد ابراهيم فال

كان مولد النبي صلى الله عليه وسلم مولد أمة وحضارة تنتظرها البشرية كلها احتياجا واضطرار وينتظره …