أفيون العرب.. وأفيون العرببة!!


سألت أهل اللغة العربية عن تعريف للرفع والنصب والجر فجاء قوم بالعلامات وقوم بالحوكات ومخارج الحروف،أما المعاني فلم يطرقها طارق..والإعراب مندرج تحت العاني.
تمكنت من خلال السؤال والاجابات عليه من سبر أغوار واقع اللغة العربية التي صار نحوها المنطقي يلقن بطرق غير منطقية .
فالطالب المسكين عليه أن يعرف علامات الرفع والنصب والجر والجزم قبل أن يعرف الرفع نفسه أوالنصب والجر والجزم، وإذا سأل استاذه عن تعريف للرفع – مثلا – كان له نصيب من العذاب!!
على الطالب إذن التسليم بتلك العلامات كعلامات لمجهول نكرة، وهذا المجهول النكر والذي له علامات في نفس الوقت هو الأساس الذي سيبني عليه الطالب جميع قواعد النحو في لغته العربية !!
وهنا لا استغرب توقفت أذهان العقلاء أمام هذا التناقض، ما قد يدفعهم إلى مبايعة لغات أخرى.
وزاد الوضع سوءا بسبب السياسات التربوية التي لم تعط للتخصصات الأدبية مكانتها كدعيمة من دعائم صناعة الإنسان، وهو تناقض يبرره التناقض السابق..
فكيف إذن نصنع آلة قبل أن نصنع صانعها ؟
لا تثريب على الأستاذ في طريقة تلقينه التي أخذها هو الآخر كمسلمة عن سلفه ، والمسلمات هي حدود التعقل التي لا يمكن للعقلاء تجاوزها.
تلك الحقيقة تجاهلتها – للأسف- الحركات الإصلاحية، وتجاهلتها الحركات التلبيسية التي لبست زي الإصلاح ودعت للسفور وكل فجور بما في ذلك تحرير المرأة و تحرير الشعر، وغيرهما من النزعات الفوضوية المعادية للتنظيم والتقعيد،والتنظيم والتقعيد هما أساس الحضارة ومؤشر المدنية .
هذا الواقع المرير دفعني إلى طرح السؤال المذكور رغبة في الحصول على أجوبة تسهم بدور في إنقاذ اللغة العربية أوالتخفيف من معاناة الناشئة التي تحتاج هي الأخرى إلى قواعد قوية الأسس لا إلى قواعد هشة متناقضة .
وبصفتي كمحام قررت طرح السؤال المذكور دفاعا عن حقوق الناشئة،ما يجعلني أعتذر لأهل الاختصاص عن هذا الاختراق الحدودي.
والخاصة أن الأساتذة الكريم يحتاج إلى تغيير طرقه في التلقين بحيث تتضمن تلك الطرق تعريفا لكل من الرفع والنصب والجر والجزم لعل شرحه يستساغ.. فمن المستحيل معرفة علامات لمجهول نكرة .
فالرفع أصله الإسناد، و الإسناد ما يستند عليه من الجبل.
فالمفعول به يسند إلى الفاعل، والخبر يسند إلى المبتدأ، وهذا في الاستاد المباشر، أما الإسناد الفرعي فمثاله النعت.
وبه كانت المرفوعات هي الأصل.
والرفع بمعنى الإسناد هو ما أخذت به رواية الحديث (الرفع)وصار به أهل الصوفية يذكرون الله مرفوعا بتعطيل (يا) النداء.
أما الجر أو الخفض فهو عكس الرفع ويعني أن المخفوض بلا سند يستند إليه.
أما الجزم فيعني القطع،وبه تنعدم كل الحركات في آخر الكلمة ،كما يقطع أحرف العلة التي تمثل هي الاخرى عامل تقوبة للحركة (إمداد).
ويبقى النصب جامع لجميع الفضلات والزوائد.
هذه عجالة مما حدده النحاة الأول لكل قسم من تلك الأقسام. وتطرقوا أيضا إلى حالات أخرى كالبناء الذي تلزم فيه الكلمة الجمود على وضعية واحدة كما ذكروا نقيصه وهو إعراب الأسماء الخمسة التي تعرب بالأمداد نيابة عن الحركات، والمد إشباع الحركات.
وعلم النحو كان ولا زال أصل علوم اللغة والذي من كبار عامائه الخليل ابن أحمد قبل أن يختار علم القوافي ويتبعه في ذلك خلق كثير خير صناغاهم ابيات من الشعر جاد بها الخيال والعواطف.
كان فساد السلاطين وخلودهم للراحة هو المناخ الذي يناسب شعراءهم.
أدى تحكم العواطف والخيال على حساب التعقل والبحث العلمي إلى تأخر أمتنا عن ركب الأمن التي تلقت البحث العلمي باليمين.
لم يأت الخلل من العروض الخليلي الذي ساهم في حفظ العلوم اللغوية والشرعية مساهمة يراها المبطلون علامة ضعف ،وإنما الخلل جاء باستخدام إمكانيات اللغة عكس مقصودها وخاصة بنشر الاباطيل الهادفة إلى تكريس الاستعمار الثقافي، تلك الاباطيل التي سكبت في قالب الدعوة للتحرر لتبين فيما بعد أنها تنظير للفوضوية المعادية لكل أسس الحضارة.. والحضارة لا بد لها من التنظيم والتقعيد.
لم يكتف الاستعمار بما أحدثه فينا من احتلال للأرض وقتل للأنفس ونهب للخيرات بل خلف فينا أقواما من بني جلدتنا ويتكلمون بلغتنا أوكل إلبهم التمهيد لاحتلال كل منا باستلابه ومسخه وتحويله إلى كلب أليف لا يستحسن حسنا بذوقه ولا بستقبح قبيحا وإنما يستورد كل ذلك كما يستورد بقية حاجاته.
ولهذا أطالب أهل العربة بحركة إصلاحية جديدة تعمل على إصلاح اللغة وإصلاح ما أفسده بها المبطلون.
المحامي /محمد سدينا ولد الشيخ

شاهد أيضاً

المنظومة الحاكمة

تقوم مؤسسة الحكم أو المنظومة الحاكمة في أي بلد سواء كانت ملكية مطلقة أو ملكية …